أحمد بن محمد المقري التلمساني

249

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

إن المسيح كان يتضرّع لموسى ، وكذلك أمّة كلّ نبيّ ، لا فرق بين الموضعين في الدعوى . الجوزي في قوله عليه السلام « يوشك أن ينزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم » إنما كان الإمام منّا لئلّا يتدنّس بغبار الشبهة وجه « لا نبيّ بعدي » « 1 » . كان بالبصرة يهودي يقرّر المتكلمين على نبوّة موسى ، فإذا أقرّوا جحد نبوّة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقال : نحن على ما اتّفقنا عليه ، إلى أن نتّفق على غيره ، فسأل أبا الهذيل عن ذلك فقال : إن كان موسى هذا الذي أخبر بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، وأقرّ بشرفه وأمر باتباعه فأنا أقرّ بنبوّته ، وإن كان غيره فأنا لا أعرفه ، فتحيّر اليهودي ، ثم سأله عن التوراة ، فقال : إن كانت التي نزلت على موسى المذكور فهي حقّ ، وإلّا فهي عندي باطل . ومنه : قيل للحسن : الملائكة أفضل أم الأنبياء ؟ فقال : أين أنت من هذه الآية وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ [ هود : 31 ] . ومنه : وعن عمر وعلي - رضي اللّه عنهما ! - أنّ الخضر لقيهما وعلّمهما هذا الدعاء ، وذكر فيه خيرا كثيرا لمن قاله في إثر كلّ صلاة : يا من لا يشغله سمع عن سمع ، ويا من لا تغلطه المسائل ، ومن لا يتبرّم « 2 » على إلحاح الملحّين ، أذقني برد عفوك ، وحلاوة مغفرتك . ومنه : سمع إياس يهوديا يقول : ما أحمق المسلمين ! يزعمون أنّ أهل الجنّة يأكلون ويشربون ولا يبولون ولا يتغوّطون ، فقال : أو كل ما تأكله تحدثه ؟ قال : لا ؛ لأنّ اللّه تعالى يجعل أكثره غذاء ، قال : فما تنكر أن يجعل جميع ما يأكل أهل الجنة غذاء ؟ الرزية كلّ الرزية ، تضييع أمر المرأة الرّندية ، وذلك أنه وردت على تلمسان في العشرة الخامسة من المائة الثامنة امرأة من رندة لا تأكل ولا تشرب ولا تبول ولا تتغوّط وتحيض ، فلمّا اشتهر هذا من أمرها أنكره الفقيه أبو موسى ابن الإمام ، وتلا كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ [ المائدة : 75 ] فأخذ الناس يبثّون ثقات نسائهم ودهاتهنّ إليها ، فكشفن عنها بكلّ وجه يمكنهنّ ، فلم يقفن على غير ما ذكر ، وسئلت : هل تشتهين الطّعام ؟ فقالت : هل تشتهون التبن بين يدي الدوابّ ؟ وسئلت : هل يأتيها شيء ؟ فأخبرت أنها صامت ذات يوم فأدركها الجوع والعطش ،

--> ( 1 ) ورد عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لا نبي بعدي » وورد أنه قال لعلي بن أبي طالب « أما ترضى أن تكون مني بمثابة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي » . ( 2 ) لا يتبرم : لا يمل ، ولا يسأم .